المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ذاكرة فى غيبوبة


مصراوى
20-07-2005, 06:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

ذاكرتي.... تلك المسكينة فهي مزدحمة بل ممتلئة ولكن بما ذا؟...... بأحداث؟.....بأشخاص ؟....بوجوه ؟......بأشلاء؟...المهم إنها بحاجة إلى من ينعشها ولكن بما ذا ؟....بأطياف؟ ....بأشباح؟ .....أم بأوهام؟....... أو ربما تنعش بسماع دوى قذيفة أو طلقة بندقية أو صرخة أم ثكلى أو عويل ضحية !! هي بحاجة إذن لاستفاقة كي تقص القضية.

كالعادة يستيقظ أبى عند آذن الفجر وبعد أن يتوضئ يدخل إلى غرفتي و أسمعه ينادى:
-على على إنهض لقد حان وقت الصلاة
وأحاول كالعادة أن أخفى وجهي تحت الغطاء لعله يمل ويذهب للصلاة وحده ولكنه لا يمل حتى أستيقظ..... عند ذلك أنهض و قدماى تعجز عن حملي فالوقت ما زال مبكرا ولم اّخذ قسطا من النوم بسبب القصف الذي لم ينقطع طوال الليل المضيء والذي اقتحم بلا استئذان مضاجعنا ومنعنا من النوم، ذهب ليل قانا الهادئ المظلم وجاء ليل صاخب منير......
المهم إنتهيت من الوضؤ وأسرعت خلف أبى حتى ألحق بالجماعة...وبعد الصلاة ذهبت أنا وأبى إلى بيت عمى واصف الذي يبعد عن بيتنا الكثير ولكن السيارة تطوى المسافات ،كنت فى لهفة لزيارة عمى وأولاده آبى لم يعتاد زيارة عمى إلا في الآونة الأخيرة كي يطمئن عليه وعلى أولاده الذين فقدوا أمهم السنة الماضية، كنت أتلهف لتلك الزيارة حتى أرى ابنة عمى زهرة الصغيرة كانت تصغرني بعدة سنوات زهرة ذات الضفائر الحمراء الطويلة والوجه الأشقر الجميل ،قضينا بعض الوقت نتسامر ونلهو ونضحك... ضحكات نخفى ورآها الخوف والقلق من القادم القذائف ما زالت تتساقط والانفجارات تسمع بوضوح والأخبار تتلاحق عن نية اليهود في غزو الجنوب ........
حتى أشار أبى على عمى أن يأتي للإقامة معنا هذه الأيام في بيتنا الكبير بالقرب من معسكرات الجنود ذوى الشعر الأصفر والعيون الزرقاء فأبى هو أكبر أخوته وهم بالنسبة له كالأبناء وكان يخاف على عمى وأولاده كخوفه علينا تماما... قبل عمى العرض بعد فترة من النقاش إنتفضت من سباتي وذهب عنى كسلي وقمت أعد الحقائب مع أولاد عمى كدت أن أطير فرحا نعم فزهرة الجميلة سوف تنتقل للعيش معنا في نفس البيت، هذا الوجه البريء الجميل سأراه كل صباح وفى لمح البصر كان كل شيء جاهز للتحرك بينما تعود القذائف تتساقط من جديد.
المهم بدأنا الرحلة إلى البيت وفى الطريق شاهدت البيوت المتهدمة والأشجار المحترقة وكنا ندعو في صوت أعلى من صوت الانفجارات أن نصل بسلام إلى البيت ولكن وكأن القيامة قد قامت ....!!!
إنهمرت القذائف كالمطر ودوت الإنفجارات كالبرق وإهتزت الأرض تحت عجلات السيارة أسرع أبى بالسيارة يسابق عقارب الساعة إلى البيت فوجد أمى وأخوتى خارج المنزل ،خرجوا خوفا من أن تصيب البيت قذيفة.
كنت أسمع صرخات النساء والأطفال صرخاتهم كانت تشق عنان السماء التي لم أعد أراها فالدخان الأسود في كل مكان نصحنا أحد الجيران بالذهب معه إلى معسكر الجنود ذوى الشعر الأصفر والعيون الزرقاء، صعدنا جميعا إلى السيارة وتوجهنا مباشرة إلى هناك ونحن نتسائل أيمكن فعلا أن نلتمس الأمان هناك؟ ولما لا ؟!!..وهل تستطيع إسرائيل أن تقصف معسكر قوات حفظ السلام ؟وصلنا للمعسكر ....وهناك وجدنا يوم الحشر وكأن الجنوب كله انتقل للعيش هنا.، أقام جنود حفظ السلام ثلاث خيمات عملاقة كي تستوعب هذا الحشد الكبير من البشر،ووجدنا لأنفسنا مكانا فى أكبرها أقمنا جميعا ..أنا و أبى و أمى و أخوتى وعمى و أولاده و زهرة تلك الوردة الصغيرة .
كان بعض الغلمان يداعبون كرة خارج الخيمة أردت ان أنضم إليهم إستأذنت أبى فوافق خرجت وأنا أفكر إلى متى سوف نظل هنا وإلى متى يستمر الهروب......وجأت الإجابة سريعة
فجأة وبدون مقدمات اهتزت الأرض....سمعت صوت إنفجارا عظيما أطاح بجسدي...طرت فى الهواء وقعت على الأرض اعتقدت أنها النهاية...أين الشمس؟ ...كانت هنا منذ قليل
حاولت النهوض ولكن رفضت قدمي!! نظرت إليها وكأن الأنهار تدفقت منها باللون الأحمر، أردت البكاء والصراخ ولكن هنا إنتعشت ذاكرتي وتذكرت حينما كنت صغيرا ووقعت من على جرن الشعير في مزعتنا واّلمتنى قدمي قال لي أبى وقتها وأنا أبكى:
-يا ولدى لا تبكى... كن رجلا ولا تبكى.
تحاملت على نفسي وبصعوبة نهضت، توكأت على قطعة من الخشب المحترق نظرت حولي فلم أرى شيئا الدخان الأسود في كل مكان بحثت عن الخيمة أين هي كانت هناك منذ لحظات أخذت أجر في قدمي المصابة وسرت نحو مكان الخيمة بصعوبة أدركت أن شيئا رهيبا قد حدث وصلت لمكان الخيمة تراءت لي أشلاء البشر من بعيد جثث على الأرض... صرخات نساء ... عويل المصابين... أشلاء متشابهة... طمست النيران ملامح الوجوه، ووسط كل هذا وجدت ضفائر حمراء طويلة ...عندها أدركت أنى لن أرى أحبتي ثانية .........أبى.........أمى.........إخوتى..........عم ى.......... ولن أرى زهرة.
عندها تمردت على ذاكرتي........... أردتها أن ترحل وتذهب...............تذهب في غيبوبة .

زمردة
20-07-2005, 06:57 AM
لا حول ولا قوة إلا بالله ..

أجدت التعبير عن المأساة ..

التي تتكرر الآن في العراق ..

كأنه لابد على كل دول الإسلام ..

أن تذوق من نفس الكأس ..

http://www.al3sr.com/vb/showthread.php?t=1791

مصراوى
20-07-2005, 03:23 PM
أخت زمردة

بارك الله فيك وبالفعل أصبحت المعاناة والعذاب كأس مريرة ملازمة لجراح المسلمين فى كل مكان

جزاكى الله خيرا على الفلاش الرائع

ساحر القلوب
25-07-2005, 11:48 PM
شكرا لك مصراوي اكيد اجت التعبير و كلام جميل يدخل الى القلب و يفيض من العين

مصراوى
26-07-2005, 02:23 PM
بارك الله فيك أخى ساحر القلوب
أسأل الله تبارك وتعالى أن يعز كل مسلم مجاهد فى كل مكان فى فلسطين والعراق والشيشان وبلاد الأفغان
اللهم امين