المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سيد البشر وقائد الأمة (( محمدٌ صلى الله عليه وسلم ))‏


المجاهد عمر
09-12-2005, 10:55 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، ، ،
نتشرف في "عصر السيّر والأعلام" أن نبدأ مشوارنا بسيرةِ سيد البشر محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، نتعلم منها ، ونقتفي أثرها ، فعلى بركة الله نبدأ .

المجاهد عمر
09-12-2005, 11:00 PM
http://www.almeshkat.net/vb/images/bism.gif

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، ‏وبعد‎ : ‎

فقد اختلف بنو إسرائيل ، وحرفوا وبدلوا في عقيدتهم وشريعتهم فانطمس الحق وظهر الباطل وانتشر الظلم والفساد ‏واحتاجت الأمة إلى دين يحق الحق ويمحق الباطل ويهدي الناس إلى الصراط المستقيم فبعث الله محمداً صلى الله عليه ‏وسلم كما قال سبحانه‎ : "‎وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة ‏لقوم يؤمنون‎" ‎النحل/64‏‎ . ‎

أرسل الله جميع الأنبياء والرسل للدعوة إلى عبادة الله وحده , وإخراج الناس من الظلمات إلى النور فأولهم نوح ‏وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى‎ : "‎ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله ‏واجتنبوا الطاغوت‎" ‎النحل/36‏‎ . ‎

وآخر الأنبياء والرسل هو محمد صلى الله عليه وسلم فلا نبي بعده ، قال تعالى‎ : "‎ما كان محمدًا ‏أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين‎" ‎الأحزاب/40‏‎ . ‎

وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعث الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة كما قال سبحانه‎ : ‎‎"‎وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ًونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون‎" ‎‎‎سبأ/28‏‎ . ‎

وقد أنزل الله على رسوله القرآن يهدي به الناس ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ، قال تعالى‎ : ‎‎"‎كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد‎" ‎‎ ‎إبراهيم/1‏‎ . ‎

وقد ولد الرسول محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي بمكة عام الفيل الذي جاء أصحابه لهدم الكعبة ‏فأبادهم الله وتوفي أبوه وهو في بطن أمه ولما ولد محمد أرضعته حليمة السعدية ثم زار أخواله في المدينة مع أمه آمنة ‏بنت وهب وفي طريق العودة إلى مكة توفيت أمه بالأبواء وعمره ست سنين ثم كفله جده عبد المطلب فمات وعمر ‏محمد ثمان سنين ثم كفله عمه أبو طالب يرعاه ويكرمه ويدافع عنه أكثر من أربعين سنة وتوفي أبو طالب ولم يؤمن ‏بدين محمد خشية أن تعيره قريش بترك دين آبائه‎ . ‎

وكان محمد في صغره يرعى الغنم لأهل مكة ثم سافر إلى الشام بتجارة لخديجة بنت خويلد وربحت التجارة وأعجبت ‏خديجة بخلقه وصدقه وأمانته فتزوجها وعمره خمس وعشرون سنة وعمرها أربعون سنة ولم يتزوج عليها حتى ‏ماتت‎ . ‎

وقد أنبت الله محمدًا صلى الله عليه وسلم نباتاً حسناً ، ورباه وعلمه حتى كان أحسن قومه خَلقاً وخُلقاً وأعظمهم مروءة ‏وأوسعهم حلماً وأصدقهم حديثاً وأحفظهم أمانة حتى سماه قومه بالأمين‎ . ‎

ثم حُبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء الأيام والليالي يتعبد فيه ويدعو ربه ، وأبغض الأوثان والخمور والرذائل فلم ‏يلتفت إليها في حياته‎ . ‎

ولما بلغ محمداً صلى الله عليه وسلم خمساً وثلاثين سنة شارك قريشاً في بناء الكعبة لما جرفتها السيول فلما تنازعوا ‏في وضع الحجر الأسود حكموه في الأمر فدعا بثوب فوضع الحجر فيه ثم أمر رؤساء القبائل أن يأخذوا بأطرافه ‏فرفعوه جميعاً ثم أخذه محمد فوضعه في مكانه وبنى عليه فرضي الجميع وانقطع النزاع‎ . ‎

وكان لأهل الجاهلية صفات حميدة كالكرم والوفاء والشجاعة وفيهم بقايا من دين إبراهيم كتعظيم البيت والطواف به ‏والحج والعمرة وإهداء البدن وإلى جانب هذا كانت لهم صفات وعادات ذميمة كالزنا , وشرب الخمور وأكل الربا ‏وقتل البنات والظلم , وعبادة الأصنام‎ . ‎

وأول من غير دين إبراهيم ودعا إلى عبادة الأصنام عمرو بن لحي الخزاعي فقد جلب الأصنام إلى مكة وغيرها ودعا ‏الناس إلى عبادتها ومنها ود , وسواع , ويغوث , ويعوق , ونسرا‎ . ‎

ثم اتخذ العرب أصناماً أخرى ومنها صنم مناة بقديد واللات بالطائف والعزى بوادي نخلة وهبل في جوف الكعبة ‏وأصنام حول الكعبة وأصنام في بيوتهم واحتكم الناس إلى الكهان والعرافين والسحرة‎ . ‎

ولما انتشر الشرك والفساد بهذه الصورة بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وعمره أربعون سنة يدعو الناس إلى ‏عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام فأنكرت عليه قريش ذلك وقالت‎ : "‎أجعل الآلهة ألهاً واحداً ‏إن هذا لشيء عجاب‎" ‎سورة ص/5‏‎ . ‎

وظلت هذه الأصنام تعبد من دون الله حتى بعث الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالتوحيد فكسرها وهدمها هو ‏وأصحابه رضوان الله عليهم فظهر الحق وزهق الباطل‎ : "‎وقل جاء الحق وزهق الباطل إن ‏الباطل كان زهوقاً‎" ‎الإسراء/81‏‎ . ‎

وأول ما نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء الذي كان يتعبد فيه حيث جاءه جبريل فأمره أن ‏يقرأ فقال الرسول ما أنا بقارئ فكرر عليه وفي الثالثة قال له‎ : "‎اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق ‏الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم‎" ‎العلق/1-2-3‏‎ . ‎

فرجع الرسول , وفؤاده يرجف , ودخل على زوجته خديجة ثم أخبرها ، وقال‎ : "‎لقد خشيت ‏على نفسي‎" ‎فطمأنته وقالت : "والله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم , وتحمل الكل , وتقرى ‏الضيف , وتكسب المعدوم , وتعين على نوائب الحق" ثم انطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وكان قد تنصر فلما ‏أخبره بشره وقال له هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى وأوصاه بالصبر إذا آذاه قومه وأخرجوه‎ . ‎

ثم فتر الوحي مدة فحزن الرسول صلى الله عليه وسلم فبينما هو يمشي يوماً إذ رأى الملك مرة أخرى بين السماء ‏والأرض فرجع إلى منزله وتدثر فأنزل الله عليه‎ : "‎يا أيها المدثر ، قم فأنذر‎" ‎‎‎المدثر/1-2‏‎ , ‎ثم تتابع الوحي بعد ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم‎ . ‎

أقام النبي في مكة ثلاثة عشر عاماً يدعوا إلى عبادة الله وحده سراً ثم جهراً حيث أمره الله أن يصدع بالحق فدعاهم ‏بلين ولطف من غير قتال فأنذر عشيرته الأقربين ثم أنذر قومه ثم أنذر من حولهم ثم أنذر العرب قاطبة ثم أنذر ‏العالمين . ثم قال سبحانه‎ : "‎فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين‎" ‎‎‎الحجر/94‏‎ . ‎

وقد آمن بالرسول قلة من الأغنياء والأشراف والضعفاء والفقراء والعبيد رجالاً ونساءً وأوذي الجميع في دينهم فعُذِّبَ ‏بعضهم وقتل بعضهم , وهاجر بعضهم إلى الحبشة فراراً من أذى قريش وأوذي معهم الرسول صلى الله عليه وسلم ‏فصبر حتى أظهر الله دينه‎ . ‎

ولما بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم خمسين سنة ومضى عشر سنوات من بعثته مات عمه أبو طالب الذي كان ‏يحميه من أذى قريش ثم ماتت من بعده زوجته خديجة التي كانت تؤنسه فاشتد عليه البلاء من قومه وتجرءوا عليه ‏وآذوه بصنوف الأذى وهو صابر محتسب . صلوات الله وسلامه عليه‎ . ‎

ولما اشتد عليه البلاء وتجرأت عليه قريش خرج إلى الطائف ودعا أهلها إلى الإسلام فلم يجيبوه , بل آذوه ورموه ‏بالحجارة حتى أدموا عقبيه , فرجع إلى مكة وظل يدعوا الناس إلى الإسلام في الحج وغيره‎ . ‎

ثم أسرى الله برسوله ليلا ًمن المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى راكباً على البراق بصحبة جبريل , فنزل وصلى ‏بالأنبياء ثم عرج به إلى السماء الدنيا فرأى فيها آدم , وأرواح السعداء عن يمينه وأرواح الأشقياء عن شماله ثم عرج ‏به إلى السماء الثانية فرأى فيها عيسى ويحيى ثم إلى الثالثة فرأى فيها يوسف ثم إلى الرابعة فرأى فيها إدريس ثم إلى ‏الخامسة فرأى فيها هارون ثم إلى السادسة فرأى فيها موسى ثم إلى السابعة فرأى فيها إبراهيم ثم رفع إلى سدرة ‏المنتهى ثم كلمه ربه فأكرمه وفرض عليه وعلى أمته خمسين في اليوم والليلة ثم خففها إلى خمس في العمل وخمسين ‏في الأجر واستقرت الصلاة خمس صلوات في اليوم والليلة إكراماً منه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى ‏مكة قبل الصبح فقص عليهم ما جرى له فصدقه المؤمنون وكذبه الكافرون‎ : "‎سبحان الذي ‏أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير‎" ‎‎ ‎الإسراء/1‏‎ . ‎

ثم هيأ الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من ينصره فالتقى في موسم الحج برهط من المدينة من الخزرج فأسلموا ثم ‏رجعوا إلى المدينة , ونشروا فيها الإسلام فلما كان العام المقبل صاروا بضعة عشر فالتقى بهم الرسول صلى الله عليه ‏وسلم فلما انصرفوا بعث معهم مصعب بن عمير يقرؤهم القرآن , ويعلمهم الإسلام فأسلم على يديه خلق كثير , منهم ‏زعماء الأوس سعد بن معاذ , وأسيد بن حضير‎ . ‎

فلما كان العام المقبل وجاء موسم الحج خرج منهم ما يزيد على سبعين رجلاً من الأوس والخزرج فدعوا رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أن هجره وآذاه أهل مكة , فواعدهم الرسول في إحدى ليالي التشريق عند العقبة ‏فلما مضى ثلث الليل خرجوا للميعاد فوجدوا الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه عمه العباس ولم يؤمن إلا أنه أحب أن ‏يحضر أمر ابن أخيه فتكلم العباس , والرسول , والقوم بكلام حسن ثم بايعهم الرسول صلى الله عليه وسلم على أن ‏يهاجر إليهم في المدينة على أن يمنعوه , وينصروه ويدافعوا عنه , ولهم الجنة فبايعوه واحداً, واحدا ً, ثم انصرفوا ثم ‏علمت بهم قريش فخرجوا في طلبهم , ولكن الله نجاهم منهم , وبقي الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة إلى حين‎ : ‎‎"‎ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز‎" ‎الحج/40‏‎ . ‎‎ ‎

ثم أمر الرسول أصحابه بالهجرة إلى المدينة فهاجروا أرسالاً إلا من حبسه المشركون ولم يبق بمكة من المسلمين إلا ‏رسول الله وأبو بكر وعلي فلما أحس المشركون بهجرة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة خافوا أن ‏يلحق بهم فيشتد أمره فتآمروا على قتله فأخبر جبريل رسول الله بذلك فأمر الرسول علياً أن يبيت في فراشه , ويرد ‏الودائع التي كانت عند الرسول صلى الله عليه وسلم لأهلها وبات المشركون عند باب الرسول ليقتلوه إذا خرج فخرج ‏من بينهم وذهب إلى بيت أبي بكر بعد أن أنقذه الله من مكرهم وأنزل الله‎ : "‎وإذ يمكر بك الذين ‏كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين‎" ‎‎‎الأنفال/30‏‎ . ‎

ثم عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الهجرة إلى المدينة , فخرج هو وأبو بكر إلى غار ثور ومكثا فيه ثلاث ‏ليال واستأجرا عبد الله بن أبي أريقط وكان مشركاً ليدلهما على الطريق , وسلماه راحلتيهما فذعرت قريش لما جرى ‏وطلبتهما في كل مكان , ولكن الله حفظ رسوله فلما سكن الطلب عنهما , ارتحلا إلى المدينة فلما أيست منهما قريش ‏بذلوا لمن يأتي بهما أو بأحدهما مائتين من الإبل فجد الناس في الطلب وفي الطريق إلى المدينة , علم بهما سراقة بن ‏مالك وكان مشركاً فأرادهما فدعا عليه الرسول صلى الله عليه وسلم فساخت قوائم فرسه في الأرض فعلم أن الرسول ‏صلى الله عليه وسلم ممنوع , وطلب من الرسول أن يدعوا له ولا يضره فدعا له الرسول صلى الله عليه وسلم , فرجع ‏سراقة , ورد الناس عنهما ثم أسلم بعد فتح مكة‎ . ‎

فلما وصل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كبر المسلمون فرحاً بقدومه واستقبله الرجال والنساء والأطفال ‏فرحين مستبشرين فنزل بقباء وبنى هو والمسلمون مسجد قباء وأقام بها بضع عشرة ليلة ثم ركب يوم الجمعة فصلاها ‏في بني سالم بن عوف ثم ركب ناقته ودخل المدينة والناس محيطون به , آخذون بزمام ناقته لينزل عندهم , فيقول لهم ‏الرسول صلى الله عليه وسلم دعوها فإنها مأمورة فسارت حتى بركت في موضع مسجده اليوم‎ . ‎

وهيأ الله لرسوله أن ينزل على أخواله قرب المسجد فسكن في منزل أبي أيوب الأنصاري , ثم بعث رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم من يأتي بأهله وبناته وأهل أبي بكر من مكة فجاءوا بهم إلى المدينة‎ . ‎

ثم شرع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في بناء مسجده في المكان الذي بركت فيه الناقة وجعل قبلته إلى بيت ‏المقدس وجعل عمده الجذوع وسقفه الجريد ثم حولت القبلة إلى الكعبة بعد بضعة عشر شهراً من مقدمه المدينة‎ . ‎

ثم آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ووادع الرسول صلى الله عليه وسلم اليهود وكتب بينه ‏وبينهم كتاباً على السلم والدفاع عن المدينة وأسلم حبر اليهود عبد الله بن سلام وأبى عامة اليهود إلا الكفر وفي تلك ‏السنة تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها‎ . ‎

وفي السنة الثانية شرع الأذان وصرف الله القبلة إلى الكعبة ، وفرض صوم رمضان‎ . ‎

ولما استقر الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة وأيده الله بنصره والتف المهاجرون والأنصار حوله واجتمعت ‏القلوب عليه عند ذلك رماه المشركون , واليهود والمنافقون عن قوس واحدة فآذوه وافتروا عليه وبارزوه بالمحاربة ‏والله يأمره بالصبر و العفو والصفح فلما اشتد ظلمهم وتفاقم شرهم , أذن الله للمسلمين بالقتال , فنزل قوله تعالى‎ : ‎‎"‎أذن للذين يُقاتِلون بأنهم ظُلموا وإنَّ الله على نصرهم لقدير‎" ‎‎‎الحج/39‏‎ . ‎

ثم فرض الّله على المسلمين قتال من قاتلهم فقال‎ : "‎وقاتلوا في سبيل الّله الذين يقاتلونكم ولا ‏تعتدوا إن الّله لا يحب المعتدين‎" ‎البقرة/190‏‎ . ‎

ثم فرض الله عليهم قتال المشركين كافة فقال‎ : "‎وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم ‏كافة‎" ‎التوبة/36‏‎ . ‎

فقام الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله ورد كيد المعتدين ودفع الظلم عن ‏المظلومين وأيده الله بنصره , حتى صار الدين كله لله فقاتل المشركين في بدر في السنة الثانية من الهجرة في رمضان ‏فنصره الله عليهم وفرق جموعهم وفي السنة الثالثة غدر يهود بني قينقاع فقتلوا أحد المسلمين فأجلاهم الرسول صلى ‏الله عليه وسلم عن المدينة إلى الشام ثم ثأرت قريش لقتلاها في بدر , فعسكرت حول أحد في شوال من السنة الثالثة ‏ودارت المعركة وعصى الرماة أمر الرسول , فلم يتم النصر للمسلمين وانصرف المشركون إلى مكة ولم يدخلوا ‏المدينة‎ . ‎

ثم غدر يهود بني النضير وهموا بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك بإلقاء الحجر عليه فنجاه الله , ثم حاصرهم ‏في السنة الرابعة وأجلاهم إلى خيبر‎ . ‎

وفي السنة الخامسة غزا الرسول صلى الله عليه وسلم بني المصطلق لرد عدوانهم , فانتصر عليهم وغنم الأموال ‏والسبايا ثم سعى زعماء اليهود في تأليب الأحزاب على المسلمين للقضاء على الإسلام في عقر داره . فاجتمع حول ‏المدينة المشركون والأحباش وغطفان اليهود ثم أحبط الله كيدهم ونصر رسوله والمؤمنين‎ : ‎‎"‎ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً ‏عزيزاً‎" ‎الأحزاب/25‏‎ . ‎
ثم حاصر الرسول صلى الله عليه وسلم يهود بني قريظة لغدرهم , ونقضهم العهد فنصره الله عليهم فقتل الرجال ‏وسبى الذرية وغنم الأموال‎ . ‎

وفي السنة السادسة عزم الرسول صلى الله عليه وسلم على زيارة البيت والطواف به فصده المشركون عنه ، ‏فصالحهم في الحديبية على وقف القتال عشر سنين ، يأمن فيها الناس ويختارون ما يريدون فدخل الناس في دين الله ‏أفواجاً‎ . ‎

وفي السنة السابعة غزا الرسول خيبر للقضاء على زعماء اليهود الذين آذوا المسلمين ، فحاصرهم ونصره الله عليهم ‏وغنم الأموال والأرض وكاتب ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام‎ . ‎

وفي السنة الثامنة أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً بقيادة زيد بن حارثه لتأديب المعتدين ولكن الروم جمعوا ‏جيشاً عظيماً فقتلوا قواد المسلمين وأنجى الله بقية المسلمين من شرهم‏‎ . ‎

ثم غدر كفار مكة فنقضوا العهد فتوجه إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم بجيش عظيم وفتح مكة ، وطهر بيته العتيق ‏من الأصنام ، وولاية الكفار‎ . ‎

ثم كانت غزوة حنين في شوال من السنة الثامنة لرد عدوان ثقيف وهوازن فهزمهم الله وغنم المسلمون مغانم كثيرة ثم ‏واصل الرسول صلى الله عليه وسلم مسيره إلى الطائف وحاصرها ، ولم يأذن الله بفتحها فدعا لهم الرسول صلى الله ‏عليه وسلم وانصرف ، فأسلموا فيما بعد ثم رجع ووزع الغنائم ، ثم اعتمر هو وأصحابه ثم خرجوا إلى المدينة‎ . ‎

وفي السنة التاسعة كانت غزوة تبوك في زمان عسرة وشدة وحر شديد فسار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ‏لرد كيد الروم فعسكر هناك ، ولم يلق كيداً وصالح بعض القبائل ، وغنم ثم رجع إلى المدينة وهذه آخر غزوة غزاها ‏عليه الصلاة و السلام وجاءت في تلك السنة وفود القبائل تريد الدخول في الإسلام و منها وفد تميم ووفد طيء ووفد ‏عبد القيس ، ووفد بني حنيفة وكلهم أسلموا ثم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يحج بالناس في تلك السنة ‏وبعث معه علياً رضي الله عنه وأمره أن يقرأ على الناس سورة براءة للبراءة من المشركين وأمره أن ينادي في الناس ‏فقال علي يوم النحر‎ : "‎يا أيها الناس لا يدخل الجنة كافر ، و لا يحج بعد العام مشرك ، ولا ‏يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسول الله عهد فهو إلى مدته‎" . ‎

وفي السنة العاشرة عزم الرسول صلى الله عليه وسلم على الحج , و دعا الناس إلى ذلك فحج معه من المدينة وغيرها ‏خلقٌ كثير فأحرم من ذي الحليفة , و وصل إلى مكة في ذي الحجة وطاف وسعى وعلم الناس مناسكهم وخطب الناس ‏بعرفات خطبة عظيمة جامعة , قرر فيها الأحكام الإسلامية العادلة فقال‎ : "‎أيها الناس اسمعوا ‏قولي , فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا , أيها الناس إن دماءكم , وأموالكم , وأعراضكم حرام عليكم , ‏كحرمة يومكم هذا , في شهركم هذا , في بلدكم هذا , ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع , ودماء ‏الجاهلية موضوعة , وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث , كان مسترضعاً في بني سعد , فقتلته ‏هذيل . وربا الجاهلية موضوع , وأول ربا أضع ربا عباس بن عبد المطلب , فإنه موضوع كله , فاتقوا الله في النساء ‏‏, فإنكم أخذتموهن بأمان الله , واستحللتم فروجهن بكلمة الله , ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه , فإن ‏فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح , ولهن عليكم رزقهن و كسوتهن بالمعروف , وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده ‏إن اعتصمتم به كتاب الله , وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون , قالوا نشهد أنك قد بلَّغت , وأديت , ونصحت فقال ‏بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد , اللهم اشهد ثلاث مرات‎" . ‎

ولما أكمل الله هذا الدين , وتقررت أصوله , نزل عليه وهو بعرفات‎ : "‎اليوم أكملت لكم دينكم ‏وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً‎" ‎المائدة/3‏‎ . ‎

وتسمى هذه الحجة حجة الوداع لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ودع فيها الناس , ولم يحج بعدها ثم رجع الرسول ‏صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من حجه إلى المدينة‎ . ‎

وفي السنة الحادية عشرة في شهر صفر بدأ المرض برسول الله صلى الله عليه وسلم ولما اشتد عليه الوجع أمر أبا ‏بكر رضي الله عنه أن يصلى بالناس وفي ربيع الأول , زاد عليه المرض فقبض صلوات الله وسلامه عليه ضحى يوم ‏الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة فحزن المسلمون لذلك حزناً شديداً ثم غُسل وصلى عليه ‏المسلمون يوم الثلاثاء ليلة الأربعاء ودفن في بيت عائشة والرسول قد مات ودينه باق إلى يوم القيامة‎ . ‎

ثم اختار المسلمون صاحبه في الغار ورفيقه في الهجرة أبا بكر رضي الله عنه خليفة لهم ثم تولى الخلافة من بعده ‏عمر ثم عثمان ثم علي وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون المهديون رضوان الله عليهم أجمعين‎ . ‎

وقد امتنّ الله على رسوله محمد بنعم عظيمة وأوصاه بالأخلاق الكريمة كما قال سبحانه‎ : "‎ألم ‏يجدك يتيماً فآوى ، ووجدك ضالاً فهدى ، ووجدك عائلاً فأغنى ، فأما اليتيم فلا تقهر ، وأما السائل فلا تنهر ، وأما ‏بنعمة ربك فحدث‎" ‎الضحى/6-11‏‎ . ‎

وقد أكرم الله رسوله بأخلاق عظيمة لم تجتمع لأحدٍٍ غيره حتى أثنى عليه ربه بقوله‎ : "‎وإنك لعلى ‏خلق عظيم‎" ‎القلم/4‏‎ . ‎
وبهذه الأخلاق الكريمة , والصفات الحميدة , استطاع عليه السلام أن يجمع النفوس ويؤلف القلوب بإذن ربه‎ : ‎‎"‎فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر ‏لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين‎" ‎آل ‏عمران/159‏‎ . ‎

وقد أرسل الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة وأنزل عليه القرآن وأمره بالدعوة إلى الله كما قال ‏سبحانه‎ : "‎يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً ‏منيراً‎" ‎الأحزاب/46‏‎ . ‎

وقد فضل الله رسوله محمداً على غيره من الأنبياء بست فضائل كما قال صلى الله عليه وسلم‎ : ‎‎"‎فضلت على الأنبياء بست , أعطيت جوامع الكلم , ونصرت بالرعب , وأحلت لي الغنائم , ‏وجعلت لي الأرض طهوراً و مسجداً , وأرسلت إلى الناس كافة , وختم بي النبيون‎" ‎‎‎رواه مسلم/523‏‎ . ‎

فيجب على جميع الناس الإيمان به , و اتباع شرعه , ليدخلوا جنة ربهم‎ : "‎ومن يطع الله و ‏رسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم‎" ‎‎‎النساء/13‏‎ . ‎

وقد أثنى الله على من يؤمن بالرسول من أهل الكتاب وبشرهم بالأجر مرتين كما قال سبحانه‎ : ‎‎"‎الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا ‏كنا من قبله مسلمين * أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون‎" ‎‎ ‎القصص/52 -54‏‎ . ‎

وقال النبي صلى الله عليه وسلم‎ : "‎ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ‏وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه و صدقه فله أجران . الحديث‎" . ‎

ومن لم يؤمن بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر , والكافر جزاؤه النار كما قال سبحانه‎ : ‎‎"‎ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيراً‎" ‎‎‎الفتح/13‏‎ , ‎وقال عليه الصلاة و السلام‎ : "‎والذي نفس محمد ‏بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلاَّ كان من أصحاب ‏النار‎" ‎رواه مسلم/154‏‎ . ‎

والرسول صلى الله عليه وسلم بشر لا يعلم إلا ما علمه الله ولا يعلم الغيب ولا يملك لنفسه ولا لغيره ضراً ولا نفعاً كما ‏قال سبحانه‎ : "‎قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت ‏من الخير وما مسني السوء إن أنا إلاَّ نذير وبشير لقوم يؤمنون‎" ‎الأعراف/188‏‎ . ‎‎ ‎

وقد أرسله الله بالإسلام ليظهره على الدين كله‎ : "‎هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ‏ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً‎" ‎الفتح/28‏‎ . ‎

ومهمة الرسول هي إبلاغ ما أرسل به , والهداية بيد الله‎ : "‎فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم ‏حفيظاً إن عليك إلا البلاغ‎" ‎الشورى/48‏‎ . ‎

ولما للرسول صلى الله عليه وسلم من فضل عظيم على البشرية , بدعوتها إلى هذا الدين وإخراجها من الظلمات إلى ‏النور , فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر وأمرنا بالصلاة عليه في حالات كثيرة فقال سبحانه‎ : ‎‎"‎إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا ‏تسليماً‎" ‎الأحزاب/21‏‎ . ‎

وقد جاهد النبي عليه الصلاة و السلام في سبيل نشر هذا الدين وجاهد أصحابه معه فعلينا الاقتداء به واتباع سنته و ‏السير على هديه كما قال سبحانه‎ : "‎لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله و ‏اليوم الآخر و ذكر الله كثيراً‎" ‎الأحزاب/21‏‎ . ‎

والإسلام دين الفطرة و العدل دين ارتضاه الله للناس كافة وهو يشتمل على أصول و فروع و آداب وأخلاق وعبادات ‏ومعاملات ولن تسعد الأمة إلا باتباعه والعمل به ولن يقبل الله من الناس غيره كما قال سبحانه‎ : ‎‎"‎ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين‎" ‎‎‎آل عمران/85‏‎ . ‎

اللهم صلّ على محمد , وعلى آل محمد , كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد‎ . ‎


‎‎موقع الإسلام سؤال وجواب‎‎
‎‎من كتاب أصول الدين الإسلامي للشيخ محمد بن إبراهيم التويجري‎ . ‎